السيد محمد تقي المدرسي
413
من هدى القرآن
دَعُوهُ فَإِنَّ الَّذِي يُرِيدُهُ الْأَعْرَابِيُّ هُوَ الَّذِي نُرِيدُهُ مِنَ الْقَوْم ( من توحيد الله ومعرفته حقا المراد من القوم أعدائه ) . ثُمَّ قَالَ عليه السلام : يَا أَعْرَابِيُّ إِنَّ الْقَوْلَ فِي أَنَّ الله وَاحِدٌ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : فَوَجْهَانِ مِنْهَا لَا يَجُوزان عَلَى الله عَزَّ وَجَلَّ ، وَوَجْهَانِ يَثْبُتَانِ فِيهِ ، فَأَمَّا اللَّذَانِ لَا يَجُوزَانِ عَلَيْهِ فَقَوْلُ الْقَائِلِ وَاحِدٌ يَقْصِدُ بِهِ بَابَ الْأَعْدَادِ فَهَذَا مَا لَا يَجُوزُ لِأَنَّ مَا لَا ثَانِيَ لَهُ لَا يَدْخُلُ فِي بَابِ الْأَعْدَادِ . أَمَا تَرَى أَنَّهُ كَفَرَ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَقَوْلُ الْقَائِلِ هُوَ وَاحِدٌ مِنَ النَّاسِ يُرِيدُ بِهِ النَّوْعَ مِنَ الْجِنْسِ فَهَذَا مَا لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ تَشْبِيهٌ وَجَلَّ رَبُّنَا عَنْ ذَلِكَ وَتَعَالَى ، وَأَمَّا الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ يَثْبُتَانِ فِيهِ فَقَوْلُ الْقَائِلِ هُوَ وَاحِدٌ لَيْسَ لَهُ فِي الْأَشْيَاءِ شِبْهٌ كَذَلِكَ رَبُّنَا وَقَوْلُ الْقَائِلِ إِنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَحَدِيُّ الْمَعْنَى يَعْنِي بِهِ أَنَّهُ لَا يَنْقَسِمُ فِي وُجُودٍ وَلَا عَقْلٍ وَلَا وَهْمٍ كَذَلِكَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَل ] « 1 » . وهكذا تشترك الكلمة بيننا وبين ربنا ، فنقول : هذا واحد من الناس ، ونقول : الله واحد ، ولكن هيهات ما بينهما التقاء ، فأحدية ربنا ليست كخلقه . إنها أحدية شاملة ، بينما خلقه متكثر متشابه ، تعال نستمع في توضيح هذه البصيرة إلى حديث عن الإمام أبي الحسن عليه السلام وهو يحدد التشابه المستحيل . أنه في المعاني لا في الأسماء فإنها مشتركة ، قال : [ إِنَّمَا التَّشْبِيهُ فِي الْمَعَانِي فَأَمَّا فِي الْأَسْمَاءِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ وهِيَ دَالَّةٌ عَلَى الْمُسَمَّى وذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ وإِنْ قِيلَ وَاحِدٌ فَإِنَّهُ يُخْبَرُ أَنَّهُ جُثَّةٌ وَاحِدَةٌ ولَيْسَ بِاثْنَيْنِ والْإِنْسَانُ نَفْسُهُ لَيْسَ بِوَاحِدٍ لِأَنَّ أَعْضَاءَهُ مُخْتَلِفَةٌ وأَلْوَانَهُ مُخْتَلِفَةٌ ومَنْ أَلْوَانُهُ مُخْتَلِفَةٌ غَيْرُ وَاحِدٍ وهُوَ أَجْزَاءٌ مُجَزَّاةٌ لَيْسَتْ بِسَوَاءٍ دَمُهُ غَيْرُ لَحْمِهِ ولَحْمُهُ غَيْرُ دَمِهِ وعَصَبُهُ غَيْرُ عُرُوقِهِ وشَعْرُهُ غَيْرُ بَشَرِهِ وسَوَادُهُ غَيْرُ بَيَاضِهِ وكَذَلِكَ سَائِرُ جَمِيعِ الْخَلْقِ فَالْإِنْسَانُ وَاحِدٌ فِي الِاسْمِ ولَا وَاحِدٌ فِي الْمَعْنَى واللهُ جَلَّ جَلَالُهُ هُوَ وَاحِدٌ لَا وَاحِدَ غَيْرُهُ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ ولَا تَفَاوُتَ ولَا زِيَادَةَ ولَا نُقْصَانَ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ الْمَخْلُوقُ الْمَصْنُوعُ الْمُؤَلَّفُ مِنْ أَجْزَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ وجَوَاهِرَ شَتَّى غَيْرَ أَنَّهُ بِالِاجْتِمَاعِ شَيْءٌ وَاحِدٌ ] « 2 » . وتتجلى أحدية الله في معرفة هيمنته الشاملة على كل شيء ، وأنه الفعال لما يريد ، وأن له العبادة ، وأن ما يعبد من دونه ليس بشيء . أما خرافات الجاهلية التي تزعم : أن هناك قوة أخرى مستقلة غير قوة الخالق فهي ناشئة من الجهل بالله ، وبأن خالق الكائنات يستحيل عليه العجز ، والحد ، والقيد ، فكيف يكون ربنا مثلا عاجزا عن التخلص من إبليس - حتى إنه إنما خلق الخلق حتى يتخلص من الطينة الخبيثة
--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 3 ص 206 . ( 2 ) الكافي : ج 1 ص 118 .